تحوّل غوغل الذكي في البحث يهزّ أركان النموذج الاقتصادي للنشر الرقمي
أدت ملخصات الذكاء الاصطناعي من غوغل إلى انخفاض حاد في زيارات الناشرين بنسبة تصل إلى 89%، مما أجبر المنصات الإعلامية على التوجه نحو الاشتراكات والتفاعل المباشر.
ف
··3 دقائق قراءةفريق تحرير ساي تك
هيئة التحرير

تخضع صناعة النشر الرقمي، التي اعتمدت لعقود على محرك بحث غوغل كمصدر رئيسي للاكتشاف والزيارات، لتحول جذري وهائل. كانت العلاقة بين غوغل والناشرين متبادلة؛ حيث كان الناظمون يحسّنون صفحاتهم للوصول إلى المراتب العليا، بينما وفرت غوغل لهم التعرض والجمهور. غير أن إطلاق ميزات البحث المدعومة بالذكاء الاصطناعي غيّر هذه الديناميكية بشكل جذري، مما جعل من الصعب على الناشرين الاستمرار في الاعتماد على حركة المرور القادمة من محركات البحث وحدها. وتشير هذه الخطوة إلى نقطة تحول حاسمة في كيفية استهلاك المعلومات وتحويلها إلى عائدات على الويب.
تكمن جوهر هذا الاضطراب في ميزة "ملخصات الذكاء الاصطناعي" (AI Overviews) التي أطلقتها غوغل في عام 2024، والتي تضع ملخصات مولدة آلياً في أعلى نتائج البحث. بدلاً من النقر على المقالات المصدرية، يجد المستخدمون إجاباتهم مباشرة داخل واجهة البحث. وكشفت تحقيقات أجرتها صحيفة Press Gazette في عام 2024 أن هذه الملخصات ظهرت في ما يقرب من ربع عمليات البحث المتعلقة بالأخبار بحلول مايو 2024. وبحلول أغسطس، أصبح من الواضح أن هذه الملخصات بدأت تحل محل مواقع الوسائط التقليدية التي كانت تحتل المراتب الأولى سابقاً، مما أدى إلى قطع مصدر دخل رئيسي للعديد من المنصات الإعلامية.
كانت الأضرار الناجمة عن هذا التحول في حركة المرور شديدة وقابلة للقياس. وكشف تقرير صادر عن صحيفة وول ستريت جورنال في يونيو 2025 عن انخفاضات كبيرة في الزيارات لمواقع كبرى مثل Business Insider وThe Washington Post وHuffPost منذ عام 2022. وأظهرت بيانات من شركة التحليلات Similarweb أن حركة المرور القادمة من البحث إلى صحيفة نيويورك تايمس انخفضت من 44 في المئة إلى 35.5 في المئة خلال ثلاث سنوات. علاوة على ذلك، أبلغت شركة DMG Media، المالكة لصحيفة Daily Mail، الجهات التنظيمية في المملكة المتحدة عن هبوط حاد في معدلات النقر يصل إلى 89 في المئة بين يونيو ويوليو 2025، معزياً هذا الخسارة بشكل مباشر إلى تأثير ملخصات الذكاء الاصطناعي.
وعلى الرغم من هذه الأرقام الصادمة، تصر غوغل على أن ميزات الذكاء الاصطناعي الخاصة بها تنفع الويب من خلال تنويع حركة المرور نحو المنتديات والفيديوهات والبودكاست. ووصفت ليز ريد، رئيسة قسم البحث في غوغل، حجم النقرات بأنه "مستقر نسبياً"، بينما صرح نائب الرئيس التنفيذي نيك فوكس قائلاً: "من وجهة نظرنا، الويب يزدهر". إلا أن هذا الرواية تتعارض مع الواقع الذي يواجهه الناشرين، الذين قدموا دعاوى قضائية متعددة يتهمون فيها الشركة بانتهاك قوانين المنافسة وتأثيرها السلبي على نماذج أعمالهم. وقد رُفضت العديد من هذه الدعاوى، بما في ذلك القضايا المقدمة من Chegg وPenske Media، من قبل المحاكم الأمريكية، مما ترك الناشرين مع خيارات قانونية محدودة.
في استجابة لتآكل حركة المرور، يعيد الناشر الرقميون بسرعة هيكلة استراتيجياتهم. يتجه العديد منهم نحو الاعتماد على وسائل التواصل الاجتماعي والنشرات الإخبارية وخطط الاشتراك المباشرة للحفاظ على قرائهم وعوائدهم المالية. كما يستخدم البعض مفاتيح اختيار خروج (Opt-out) لاستبعاد محتواهم من ملخصات الذكاء الاصطناعي دون التأثير على ظهورهم في نتائج البحث التقليدية، وهي خيار تم تعميمه بعد ضغوط تنظيمية من المملكة المتحدة. وعلى الرغم من أن غوغل بدأت في إبراز الروابط المصدرية بشكل أكبر في وضع الذكاء الاصطناعي، إلا أن التحول الجوهري في سلوك المستخدمين - حيث أصبحوا أقل ميلاً للنقر على الروابط الخارجية عند رؤية ملخص ذكي - يوحي بأن نموذج النشر المعتمد على البحث أصبح عتيقاً فعلياً، مما يدفع الصناعة نحو عصر جديد من التفاعل المباشر مع الجمهور.



