فيزيائيون في نورثويسترن يحبسون جسيم مضاد واحداً لأشهر، مفتحين آفاقاً جديدة في الدقة الكمومية
حصر فريق نورثويسترن بوزيتروناً واحداً لأشهر عند الصفر المطلق، مما يتيح قياسات كمومية أدق بثلاثين مرة لاستكشاف أسرار المادة المضادة.
ف
··دقيقتان قراءةفريق تحرير ساي تك
هيئة التحرير

في إنجازٍ علميٍّ بارزٍ يغيّر ملامح فيزياء الجسيمات، نجح فريقٌ من الفيزيائيين في جامعة نورثويسترن (Northwestern University) في حصر جسيمٍ مضادٍّ واحدٍ لمدةٍ عدة أشهر. من خلال تبريد الجسيم إلى درجات حرارةٍ تقترب من الصفر المطلق، تمكّن الباحثون من التحكم في حالاته الكمومية بدقةٍ غير مسبوقة دون أيّ تماسٍ مادي. نُشرت نتائج هذه التجربة في مجلة Physical Review Letters، وتُمثّل قفزةً نوعيةً في فهمنا لأحد أعظم الألغاز التي تشغل الفيزياء: طبيعة المادة المضادة.
نظرياً، يُفترض أن تكون المادة المضادة منتشرةً بنفس وفرة المادة العادية، إذ يوجد لكل جسيم جسيم مضاد مكافئ. ومع ذلك، يتكوّن الكون المرصود تقريباً بالكامل من المادة العادية، وهو تفاوتٌ غامضٌ لم يُحلّ لغزه بعد. ورغم إمكانية إنتاج جسيمات المادة المضادة في المختبرات، فإن دراسة هذه الجسيمات تظلّ صعبةً للغاية؛ فعندما يتلامس الجسيم المضاد مع المادة العادية، يتلاشى الاثنان متبادلين محررين طاقةً هائلة. اعتمدت الطرق السابقة على غرف الإخلاء (Vacuum Chambers) والمجالات الكهرومغناطيسية، لكن هذا الحل كان جزئياً فقط، مما جعل التجارب على المقياس الكمومي تحدياً بالغ الصعوبة.
بقيادة العالم جيرالد غابرييل (Gerald Gabrielse)، طوّر فريق نورثويسترن جهازاً متطوراً يُعرف باسم الدوامة الحلقية الكمومية للبوزيترون الواحد (Single-Positron Quantum Cyclotron). يستخدم هذا الجهاز مجالاتٍ كهربائيةً ومغناطيسيةً دقيقةً لعزل البوزيترون (المادة المضادة للإلكترون) في فراغٍ عند درجة حرارةٍ قريبةٍ من الصفر المطلق. يضمن هذا الوضع أن يكون الجسيم في أدنى حالة طاقة له، مما يسمح للباحثين بإحداث تغييراتٍ مضبوطة في سلوكه الكمومي. والأهم من ذلك، أن هذه الطريقة غير المدمّرة مكّنت الفريق من إبقاء الجسيم المضاد محصوراً لأشهر، مما أتاح إجراء قياساتٍ متكررة ودقيقة.
يهدف هذا البحث بالأساس إلى مقارنة الخصائص المغناطيسية للإلكترونات والبوزيترونات بدقةٍ فائقة. وعلى الرغم من أن الجسيمين لهما نفس الكتلة تماماً وشحنتان كهربائيتان متعاكستان، إلا أن أسئلةً لا تزال مطروحة حول مدى تشابه هاتين الصيغتين من المادة، وما إذا كانت هناك فروقٌ دقيقةٌ لم تُرصد في التجارب السابقة. وبحسب الجمعية الفيزيائية الأمريكية (American Physical Society)، يمكن لهذا الجهاز الجديد تمكين قياساتٍ لجسيمات المادة المضادة بدقةٍ أعلى بنحو ثلاثين مرة مما كان ممكناً سابقاً.
حتى الآن، لم تكشف التجربة عن أيّ فروقٍ مفاجئة بين الجسيمين. ما حققه الباحثون هو تحسينٌ هائل في قدرتهم على رصد هذه الفروق الدقيقة في جسيمات المادة المضادة. وإذا أظهرت القياسات المستقبلية أن البوزيترون يستجيب للمجالات المغناطيسية بشكلٍ مختلف عن الإلكترون، فسيضطر العلماء إلى مراجعة بعض القوانين الأساسية التي يفسّرون بها سلوك المادة والمادة المضادة. يفتح هذا الاختراق آفاقاً جديدة لاستكشاف سبب هيمنة المادة على الكون، مما قد يعيد تشكيل فهمنا للتطور الكوني.



